عبد الله بن أحمد النسفي
170
مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )
[ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 215 إلى 216 ] يَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ( 215 ) كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ( 216 ) تشجيعا لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم والمؤمنين على الثبات والصبر مع الذين اختلفوا عليه من المشركين وأهل الكتاب وإنكارهم لآياته وعداوتهم له ، قال لهم على طريقة الالتفات التي هي أبلغ أم حسبتم أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ أي ولم يأتكم ، وفي لمّا معنى التوقع يعني أنّ إتيان ذلك متوقع منتظر مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مضوا ، أي حالهم التي هي مثل في الشدّة مِنْ قَبْلِكُمْ من النبيين والمؤمنين مَسَّتْهُمُ بيان للمثل وهو استئناف كأنّ قائلا قال : كيف كان ذلك المثل ؟ فقيل مستهم الْبَأْساءُ أي البؤس وَالضَّرَّاءُ المرض والجوع وَزُلْزِلُوا وحرّكوا بأنواع البلايا وأزعجوا إزعاجا شديدا شبيها بالزلزلة حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ إلى الغاية التي قال الرسول ومن معه من المؤمنين فيها مَتى نَصْرُ اللَّهِ أي بلغ بهم الضجر ولم يبق لهم صبر حتى قالوا ذلك ، ومعناه طلب النصر وتمنيه واستطالة زمان الشدة ، فقيل لهم أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ إجابة لهم إلى طلبهم من عاجل النصر ، يقول بالرفع نافع على حكاية حال ماضية نحو شربت الإبل حتى يجيء البعير يجرّ بطنه ، وغيره بالنصب على إضمار أنّ ومعنى الاستقبال لأنّ أنّ علم له . ولما قال عمرو بن الجموح « 1 » وهو شيخ كبير وله مال عظيم ما ذا ننفق من أموالنا وأين نضعها نزل : 215 - يَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ فقد تضمن قوله ما أنفقتم من خير بيان ما ينفقونه وهو كلّ خير ، وبنى الكلام على ما هو أهمّ وهو بيان المصرف لأنّ النفقة لا يعتد بها إلّا أن تقع موقعها ، عن الحسن هي في التطوع وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ فيجزي عليه . 216 - كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ فرض عليكم جهاد الكفار وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ
--> ( 1 ) عمرو بن الجموح بن زيد بن حرام الأنصاري السلمي ، كان في الجاهلية من سادات بني سلمة وأشرافهم ، آخر الأنصار إسلاما ، استشهد بأحد عام 3 ه ( الأعلام 5 / 75 ) .